صورة على إنستغرام قد تغيّر طريقة أكلك… كيف يحدث ذلك؟
في عصر أصبحت فيه الهواتف الذكية جزءًا من الحياة اليومية، لم يعد الطعام مجرد حاجة بيولوجية، بل أصبح أيضًا موضوعًا حاضرًا بقوة على منصات التواصل الاجتماعي. صور الأجسام المثالية، الوجبات الصحية، الحميات الغذائية، وصفات فقدان الوزن، ومقاطع "قبل وبعد" تظهر باستمرار أمام الشباب، وقد تؤثر تدريجيًا في الطريقة التي ينظرون بها إلى أجسامهم وفي القرارات التي يتخذونها بشأن الطعام.
وتبرز هنا ظاهرة تستحق الاهتمام العلمي: كيف يمكن لصورة أو مقطع قصير على Instagram أن يؤثر في سلوك غذائي حقيقي؟ التأثير لا يحدث عادةً من صورة واحدة، وإنما من التعرض المتكرر لمحتوى معين، وما يرافقه من مقارنة اجتماعية ومشاعر نفسية وتصورات حول الشكل والصحة.
عندما تصبح صورة الجسم معيارًا للمقارنة
تُعد صورة الجسم جزءًا مهمًا من الصحة النفسية والسلوك الغذائي. وعندما يشاهد الشخص بشكل متكرر صورًا لأجسام توصف بأنها مثالية، قد يبدأ بمقارنة مظهره بها، خصوصًا إذا كان المحتوى يربط بين النحافة أو العضلات أو شكل معين من الجسم وبين النجاح والجاذبية والصحة.
وقد تتطور هذه المقارنة في بعض الحالات إلى عدم الرضا عن الجسم، وهو عامل يمكن أن يؤثر في السلوك الغذائي.
- مقارنة الجسم الحقيقي بصور منتقاة أو معدلة رقميًا.
- الاعتقاد بأن هناك شكلًا واحدًا يمثل "الجسم الصحي".
- زيادة التركيز على الوزن والمظهر بدلًا من الصحة والوظائف الجسدية.
- الشعور بالذنب أو عدم الكفاية عند عدم الوصول إلى الصورة المثالية.
وهنا تكمن المشكلة في أن ما يظهر على الشاشة لا يمثل بالضرورة الواقع؛ فالإضاءة، وزوايا التصوير، والفلاتر، وتعديل الصور واختيار أفضل اللقطات يمكن أن تجعل المقارنة غير واقعية منذ البداية.
من الإعجاب بالصورة إلى تغيير النظام الغذائي
لا يتوقف تأثير المحتوى المرئي عند صورة الجسم، بل يمكن أن ينتقل إلى السلوك الغذائي. فعندما يرتبط مظهر معين في ذهن المستخدم بنظام غذائي محدد، قد يبدو له أن اتباع ذلك النظام هو الطريق للوصول إلى النتيجة نفسها.
وقد تظهر هذه العملية في عدة أشكال:
- اتباع حميات غذائية شديدة التقييد دون تقييم الاحتياجات الغذائية الفردية.
- حذف بعض الأطعمة أو المجموعات الغذائية دون سبب طبي.
- الإفراط في حساب السعرات أو مراقبة كمية الطعام.
- تجربة منتجات أو مكملات بناءً على توصيات المؤثرين.
- الانتقال بين حميات مختلفة بحثًا عن نتائج سريعة.
وتكمن الخطورة في أن المعلومة الغذائية الموجودة على وسائل التواصل الاجتماعي ليست بالضرورة معلومة علمية. فقد تكون مبنية على تجربة شخصية أو هدف تجاري، بينما تختلف الاحتياجات الغذائية من شخص إلى آخر وفق العمر والنشاط البدني والحالة الصحية وغيرها من العوامل.
لماذا يكون الشباب أكثر تأثرًا؟
يمر الشباب بمرحلة تتغير فيها الهوية والصورة الذاتية والعلاقات الاجتماعية بصورة واضحة، ولذلك يمكن أن يكون تقييم المظهر الخارجي أكثر أهمية لديهم. كما أن الاستخدام المتكرر لمنصات التواصل يعرّضهم لكمية كبيرة من المحتوى خلال فترة زمنية قصيرة. وتشير الآلية النفسية المعروفة باسم المقارنة الاجتماعية إلى أن الفرد قد يقيم نفسه من خلال مقارنة صفاته بصفات الآخرين. وفي البيئة الرقمية، تصبح هذه المقارنة أكثر تعقيدًا لأن المستخدم لا يرى الحياة كاملة، بل يرى نسخة منتقاة منها.
ومن العوامل التي قد تزيد التأثير:
- كثرة التعرض لمحتوى الحميات والأجسام المثالية.
- متابعة الحسابات التي تركز بشكل مفرط على الوزن والمظهر.
- التفاعل المستمر مع التعليقات التي تربط الجمال بالنحافة أو شكل الجسم.
- الثقة بالمؤثرين حتى عندما لا يمتلكون تأهيلًا علميًا في التغذية.
- انتشار المحتوى المختصر الذي يقدم حلولًا غذائية سريعة لمشكلات معقدة.
هل وسائل التواصل الاجتماعي سيئة دائمًا؟
ليس بالضرورة. فوسائل التواصل يمكن أن تكون أداة مفيدة لنشر الثقافة الغذائية إذا كان المحتوى قائمًا على الأدلة العلمية ويقدمه مختصون مؤهلون. كما يمكن أن تساعد المنصات الرقمية في نشر معلومات عن التغذية المتوازنة والنشاط البدني والصحة العامة.
لذلك، لا يكمن الحل في تجنب وسائل التواصل الاجتماعي بشكل كامل، بل في رفع مستوى الوعي الغذائي والرقمي.
ومن المفيد أن يسأل المستخدم نفسه قبل اتباع أي نصيحة غذائية:
- هل مصدر المعلومة متخصص وموثوق؟
- هل توجد أدلة علمية تدعم هذه النصيحة؟
- هل يتم تقديم النظام الغذائي كحل يناسب الجميع؟
- هل توجد وعود بنتائج سريعة أو مبالغ فيها؟
- هل الهدف هو تحسين الصحة أم الوصول إلى شكل معين بأي ثمن؟